الحلبي
404
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي كلام بعضهم ما يفيد أن الاستعمال حرام أيضا إلا أن يشتهر بذلك كما في الأوصاف المنقصة كالأعمش . وفي كلام القاضي : وإنما كناه والكنية تكرمة أي بالعدول عن الاسم إليها لاشتهاره بكنيته ، ولأن اسمه عبد العزى الذي هو الصنم فاستكره ذكره ، ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله في الآخرة ، فهي كنية تفيد الذم . فاندفع ما يقال هذا يخالف قولهم ولا يكنى كافر وفاسق ومبتدع إلا لخوف فتنة أو تعريف ، لأن ذلك خاص بالكنية التي تفيد المدح لا الذم ولم يشتهر بها صاحبها . قال : فلما أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى بني عبد المطلب فحضروا وكان فيهم أبو لهب ، فلما أخبرهم بما أنزل اللّه عليه أسمعه ما يكره ، قال : تبا لك ، ألهذا جمعتنا : أي وأخذ حجرا ليرميه به ، وقال له : ما رأيت أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بأشرّ ما جئتهم به ، فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يتكلم في ذلك المجلس انتهى . أي وفي الإمتاع : أن أبا لهب ظن أنه صلى اللّه عليه وسلم يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون ، فقال له هؤلاء عمومتك وبنو عمومتك ، فتكلم بما تريد واترك الصباة ، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب طاقة ، وإن أحق من أخذك وحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك ، فهو أيسر عليك من أن تتب عليك بطون قريش وتمدها العرب ، فما رأيت يا ابن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشر ما جئتهم به ، وعند ذلك أنزل اللّه تعالى تَبَّتْ [ المسد : الآية 1 ] أي خسرت وهلكت يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ المسد : الآية 1 ] أي خسر وهلك بجملته : أي والمراد بالأول جملته ، عبر عنها باليدين مجازا ، والمراد به الدعاء ، وبالثاني الخبر على حد قولهم : أهلكه اللّه وقد هلك . أي ولما قال أبو لهب عند نزول تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) [ المسد : الآية 1 ] إن كان ما يقوله محمد حقا افتديت منه بمالي وولدي نزل ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) [ المسد : الآية 2 ] أي وأولاده ، لأن الولد من كسب أبيه : أي وفي رواية وهي في الصحيحين « أنه دعا قريشا فاجتمعوا ، فخص وعم فقال : يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار : أي وفيه أنه إنما أمر بالإنذار لعشيرته الأقربين ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني زهرة أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار ، يا صفية عمة محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من اللّه شيئا » وفي لفظ « لا أملك لكم من الدنيا منفعة ، ولا من الآخرة نصيبا ، إلا أن تقولوا لا إله إلا اللّه : أي لا تبقوا على كفركم اتكالا على قرابتكم مني » فهو حث لهم على صالح الأعمال ، وترك الاتكال « غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها » أي أصلها بالدعاء : أي والبلال